سيد محمد طنطاوي
148
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والفعل المضارع « تحرص » بكسر الراء ، ماضيه « حرص » بفتحها كضرب يضرب . والحرص : شدة الرغبة في الحصول على الشيء ، والاستئثار به . وقوله : * ( فَإِنَّ اللَّه لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ) * تعليل لجواب الشرط المحذوف ، والتقدير : إن تحرص - أيها الرسول الكريم - على هداية هؤلاء المصرين على كفرهم لن ينفعهم حرصك . فإن اللَّه - تعالى - قد اقتضت حكمته أن لا يهدى من يخلق فيه الضلالة بسبب سوء اختياره ، وفساد استعداده . وفي الجملة الكريمة إشارة إلى ما جبل عليه النبي صلى اللَّه عليه وسلم من مكارم الأخلاق ، فإنه مع ما لقيه من مشركي قومه من أذى وعناد وتكذيب . . . كان حريصا على ما ينفعهم ويسعدهم . قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله * ( فَإِنَّ اللَّه لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ) * جواب الشرط على معنى فاعلم ذلك ، أو علة للجواب المحذوف ، أي : إن تحرص على هداهم لن ينفع حرصك شيئا ، فإن اللَّه لا يهدى من يضل . والمراد بالموصول : كفار قريش المعبر عنهم قبل ذلك بالذين أشركوا ، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتنصيص على أنهم ممن حقت عليهم الضلالة وللإشعار بعلة الحكم . ومعنى الآية : أنه - سبحانه - لا يخلق الهداية جبرا وقسرا فيمن يخلق فيه الضلالة بسوء اختياره . و « من » على هذا . مفعول « يهدى » وضمير الفاعل في « يضل » للَّه - تعالى - والعائد محذوف ، أي من يضله . وقرأ غير واحد من السبعة « فإن اللَّه لا يهدى . . » بضم الياء وفتح الدال - على البناء للمفعول . و « من » على هذا نائب فاعل ، والعائد وضمير الفاعل كما مر . . » « 1 » . والمعنى على هذه القراءة : إن تحرص على هداهم - يا محمد - لن ينفعهم حرصك ، فإن من أضله اللَّه - تعالى - لا يهديه أحد . وقوله : * ( وما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) * تذييل مؤكد لما قبله . أي : وليس لهؤلاء الضالين من ناصر يدفع عنهم عذاب اللَّه - تعالى - إن نزل بهم ،
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 39 .